مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

الموهبة وحدها لاتكفى


تقول الحكاية التعليمية أن شخصا ما قام بوضع بيضة نسر فى عش للدجاج, وعندما خرج النسر الصغير الى الحياة استقر في داخله من الواقع المحيط الذي ولد وكبر به أنه دجاجة وعاش لمدة طويلة على هذا الأساس- دجاجة في حظيرة دجاج- وفى يوم من الأيام رأى النسور تحلق عاليا فى الفضاء, واكتشف أن جناحيه يشبهان أجنحة النسور, وعندما حاول التجربة اكتشف أن لديه المقدرة على الطيران مثلها فقرر ان يطير, وبالفعل طار وارتفع مع أقرانه ليكتشف حقيقته وتميزه عن الدجاج الذى عاش معه حياته الأولى..المغزى هنا أنه قام بالتجربة التي أثبتت له أهمية أن الثقة بقدرته على خوض تجربة الطيران أنقذته من أن يظل طوال حياته يعيش في عالم الدجاج. 

مهلا.. فالقصة ليس لها علاقة على الإطلاق ب "ترند" الدجاج المتداول حاليا لكنها قصة ذات مغزى أوردها الكاتب الانجليزى "جون سي ماكسويل" في كتابه "الموهبة وحدها لاتكفي" الذي أستعرض هنا فكرته للقارئ من خلال مجموعة من الوسائل  تصب كلها فى كيفية الاستفادة من الموهبة وتنميتها وتطويرها بحيث تحقق لصاحبها أعلى استفادة من هذه الهبة الالهية, وتأتى الثقة بالنفس فى مقدمة طرق تطويرها, فالشخص الواثق من نفسه لديه القدرة على الانطلاق للأمام عكس الانسان فاقد الثقة فى ذاته الذى يشعر دائما بعدم القدرة على الفعل أو خوض أي تجربة جديدة وأغلب الظن أنه سيظل كذلك.
على المستوى المحيط بنا تبدو تجارب الفنانين ولاعبى الكرة هى النموذج الأقرب لفهم وتغذية الشباب بفكرة هذا الكتاب التى تقوم على أهمية ان يعمل الإنسان الموهوب فى فى اتجاه ما لدعم موهبته بالعمل وبذل الجهد لتنميتها حتى لاتضيع وتتفلت من بين يديه عطية إلهية تتسم بالندرة فى هذا العالم  ..وفي الواقع أن الذاكرة المجتمعية تحتفظ بالكثير من نماذج الموهوبين فى مجالات الإبداع المختلفة الذين كانوا يبشرون من خلال مواهبهم الكبيرة  بمستقبل رائع لكننا صدمنا لأنهم لم يكملوا مسيرة حياتهم بنفس التألق الذى بدأوا به والسبب هو أنهم لم يلتفتوا إلى أهمية العمل وإلى أن " الموهبة وحدها لاتكفى  ", لذلك لا فالنصيحة الأهم من " ماكسويل" ألا تضع حدا لقدراتك واقنع نفسك- كما النسر-  بالقدرة على فعل كل ما في وسعك, وطالما أنك تدرك أن لديك موهبة ما فتعامل مع الحياة على هذا الأساس, وستنجح بكل تأكيد في تحقيق ذاتك كما تريد.
إذا تبدو أول خطوة هى" آمن بقدراتك وتحد نفسك" فالثقة هى التى ستدفعك الى العمل ولو استقر فى أعماقك فى يوم من الأيام أنك "لا تستطيع " فستظل كذلك للأبد ", ثم تأتي الخطوة الثانية التى تساعدك على الاستفادة من موهبتك وهى الاهتمام والشغف الذي يدفعك للبحث عن العمل الذى يحقق لك المتعة والإبداع حتى لو كنت فى مرحلة ما ستقوم به بدون مقابل " ابحث عن شيء تحبه لدرجة أنك مستعد تفعله بدون مقابل و إن اتقنته، فسيدفع الناس لك مقابل عملك" وعلى سبيل المثال لو ان شخصا ما يرى فى نفسه موهبة تقديم البرامج ولو وجد فرصة لتقديم برنامج دون مقابل فليفعل على الفور لأنه سياتى يوم يدفع له الناس مقابل ذلك ..الاهتمام سيدفع بك نحو العمل بجدية وإنجاز كل المهام بطاقة كبيرة, وعلى المستوى الشخصي فكثيرا ما أخلصت هذه النصيحة لبعض الأصدقاء في المجال الإعلامي وبالفعل أتت أكلها مع جميع من تلقوا هذه النصيحة بصدر رحب.

هنا وإذا كنت تشعر انك موهوب حقا فإن ضربة البداية مهمة جدا, والمبادرة بالعمل دون انتظار أن تكون الظروف مهيئة هو الأفضل, لأن العمل وحده هو من يجعل الظروف مواتية والخطوة الاولى دائما هى الأصعب لكنها تفعل فى نفوسنا فعل السحر وتعطينا طاقة أكبر للعمل .. تقدم ولا تنتظر  " المبادرة هي الفارق الرئيسي بين النجاح والفشل", وعندما تقرر المبادرة بالفعل فإن التركيز وتحديد الهدف مهم جدا لأنك اذا حاولت الحصول على كل شئ فلن تحصل على شىء..فبذل الجهد فى كل اتجاه لن يعود عليك بنتيجة لكن التركيز فى شئ وعمل محدد ولو كان صغيرا  من شأنه ان يجعلك تصل الى نتيجة مبهرة, وبالطبع فإن المبادرة والفعل لا تأتى بلا تخطيط وتدبير أو كيفما اتفق لكن لابد من أن تقترن هذه المبادرة بالاستعداد الجيد وترتيب الامور بصورة تضمن نجاح الجهد وبما لا يتنافى فى نفس الوقت مع المبادرة والسرعة فى اتخاذ القرار.
ماكسويل يؤكد في كتابه أن المبادرة دائما ما ترتبط بالشجاعة والجرأة فى اتخاذ القرار السليم فى الوقت المناسب والشجاعة فى تحمل النتائج, وفى الاعتراف بالخطأ و مواجهة ذلك دون خجل, وبالفعل انت تخسر كثيرا اذا كنت موهوبا دون ان تتحلى بالشجاعة التى تمكنك من الاستفادة من موهبتك ..تعلم أن تعرف مالذي تخاف منه, وكيف تخاف وما هى الاشياء التى لاينبغى لك ان تخاف منها .. وعندما يتحتم عليك أن تتخذ قرارا تحلى بالشجاعة و اتخذ القرار بعد دراسته  واستعد لتحمل النتائج بكل شجاعة .." العالم فقد الكثير من الموهوبين لانهم لم يكونوا يمتلكون الشجاعة اللازمة للمضى فى الحياة بقوة " .. الشجاعة تجعل من الشخص الموهوب قائدا فى موقعة لأن لديه بالفعل رؤية مختلفة ومتطورة عمن يحيطون به, و فى نفس الوقت فإن شجاعة الاعتراف بالعيوب الشخصية تعطيك الفرصة لإصلاحها مبكرا وبصبر  ودون خجل .
الشجاعة هنا ترتبط ايضا المرونة والرغبة فى التعلم الدائم والمستمر لأن موهبتك ومهاراتك الأولى قد تساعدك فى البداية لكنها لن تستمر فى ذلك , لأن هذا ضد سنة الحياة التى تتميز بالتطور والتغير ..الرغبة فى اكتساب المهارات الجديدة كل يوم تساعدك على تنمية موهبتك ..تعلم كل يوم جديدا وتحلى بالمرونة فى تقبل الافكار الجديدة وكن مستمعا جيدا للنصح, وإذا وصلت فى يوم من الأيام للإعتقاد بانك لست فى حاجة إلى كل ذلك فتأكد تماما ان تجربتك ستؤول فى النهاية الى الفشل, تأكد انك دائما فى حاجة الى الآخرين ليسدوا لك النصيحة وايضا لتتعلم تجاربهم " ثمن الغرور قد يصبح أحيانا أكبر من أن ندفعه ", تعلم دائما ان تع
لم دائما ان تعيد تقييم علاقاتك لأنها تؤثر كثيرا فى موهبتك, واحرص على الارتباط  بالأشخاص الملهمين الذين يعطونك طاقة إيجابية ولا تركن الى اشخاص غير ناجحين أو كثيرى الشكوى فالصديق الأفضل هو الذى يسمعك ويؤمن بموهبتك وبأحلامك لأنه يقدم لك إلهاما روحيا كبيرا يدعم موهبتك ورغبتك فى النجاح .
ماكسويل يحذر كل موهوب: – مهما كانت قوة موهبتك - فلن تنجح بمفردك ولابد من التعاون مع  الآخرين من خلال فكرة العمل الجماعي , لأنك كإنسان  لا تخلو من العيوب والنواقص فشارك غيرك ممن له قوة فى جوانب ضعفك, ومهما كانت موهبة لاعب الكرة مثلا فلن يستطيع تحقيق شىء بمفرده, فالأفراد يلعبون المباريات لكن الفرق تفوز بالبطولات, تعلم ان الحياة عمل جماعى يذوب فيه الفرد داخل المجموع ويتحمل نصيبه العادل من اللوم عند الخطأ,  وثق ان العمل الجماعى المنظم هو الطريق للنجاح وتعظيم الاستفادة من الموهبة, فلا توجد موهبة لا تحتاج لتدريب أو كما يقول العامة " صنفرة" فالتدريب وتطوير المهارة والموهبة أفضل بكثير من الإعتماد على وجود الموهبة لأنه من الممكن أن يتحاوزك الزمن – وأنت موهوب – من دون أن تمتلك أدوات عصرك المحيطة بك وبعملك ولا يتأتى ذلك إلا بالإصرار على تزويد موهبتك بالكثير من التعلم .
فى مرحلة ما يا صديقي العزيز يبدو الإصرار والمثابرة  من أهم عوامل النجاح للشخص الموهوب وبدونه ستظل فى مكانك دون ان تتقدم خطوة واحدة, ولايوجد شخص ناجح يحالفه الحظ من أول محاولة, وحتى كبار العلماء  الكتاب والفنانين بل الكثير من الرياضيين من الموهبين لم يجدوا طريقهم مفروشا بقناعة الآخرين بموهبتهم .. وعلى سبيل المثال تم رفض طلب التمويل الذي تقدم به ملك الترفيه العالمى والت ديزنى من عشرات البنوك قبل ان ينجح اخيرا ويصنع اكبر مدينة ملاهى فى التاريخ.. يا صديقي لا تستسلم أبدا واذا تعثرت فى طريقك إجعل من التعثر دفعة قوية وبداية جديدة ..مثلما فعل الداعية الشاب الخجول الذى طلب منه فى بداية حياته ان يقدم موعظة دينية للخارجين عن القانون  فى واحد من أشد السجون خطورة  ومن شدة رهبته من الموقف تعثر وهو يدخل الى القاعة فوقع على الارض وقبل ان يسترسل المساجين فى التهكم والضحك عاجلهم وهو يهم بالقيام  " هذا ما جئت لكى اقوله لكم بشكل عملى اذا تعثرنا فى حياتنا فاننا نستطيع ان نقف مرة اخرى .
"ماكسويل"  يطالبك بتحمل مسؤولية أفعالك في كل وقت دون اللجوء إلى الأعذار, فالمسؤولية تقوي موهبتك وتمنحك فرصة للقيادة ومتابعة عملك للنهاية بدعم من موهبتك, كن " من يفعل " ولا تكن من "قد يفعل " .. فقليلون هم من يمتلكون القدرة على تصدر المشهد وتحمل مسؤلية ذلك, وفى نفس الوقت هم يملكون الموهبة والرغبة والقدرة على تغيير الواقع والإنجاز والاهتمام بالتفاصيل .. تحمل المسؤولية ولا تخف "إذا أردت لحياتك أن تصبح رائعه فأنت من يكتبها ".
وفي النهاية تأكد تماما يا عزيزي الشاب أن شخصيتك القوية تدعم الحفاظ على موهبتك وتدفعك للمزيد من التقدم من خلال عناصرها الأساسية وهى  الانضباط الذاتي الذى يدفعك للقيام بالصواب حتى لو لم تحبه (أنت تفعله فقط لأنه صواب), تليها القيم الأساسية التى تحدد ما نؤمن به وتصوغ طريقة حياتنا, ثم الهوية التى تعنى أن تعرف من أنت وماذا تعنى لك حياتك, وأخيرا  الاستقامة وهى التوافق بين المبادئ والشخصية والأفكار والسلوك فالناجحون أشخاص لا تتغير ردود أفعالهم بتغير الظروف المحيطة "الشخصية هي نتاج اختياراتنا، فشخصيتنا اليوم هي نتيجة خيارات الأمس وشخصية المستقبل ستكون نتيجة خيارات اليوم".